الشيخ محمد مهدي الآصفي

78

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

فإنّ كلًّا من الصلاة والحج ، رحلة إلى الله تعالى ، وكلّ رحلة إلى الله عروج وصعود . ولابدّ في هذا العروج من أن ينفصل عن هذه الدنيا ويقلع عنها إقلاعاً كاملًا بصورة مؤقتة خلال هذه الرحلة ، وما لم يقلع الإنسان في صلاته وحجّه عن دنياه ، وما لم يتحرّر من الأواصر والعلائق التي تشدّه إلى هذه الدنيا شدّاً ، لا يستطيع الإنسان أن يجد في صلاته وحجّه ذوق العروج والسفر إلى الله . وليس يدعو الإسلام الناس إلى أن ينفصلوا عن دنياهم التي لابدّ لهم منها ، ولا يريد منهم أن يعرضوا عن هذه الدنيا وما فيها ، من لذّة ، ونعيم ، وعلائق ، ووشائح تشدّهم بها ، وإنّما يطلب منهم أن يتحرّروا في حياتهم من أسر التعلّق بهذه الدنيا وحبّها والافتتان بها ؛ وهذا رأي الإسلام في التعامل مع الدنيا . تكبيرة الإحرام مفتاح الصلاة : فإذا أقبل العبد على الله - تعالى - في صلاته فلابدّ من أن يفصل نفسه عن هذه الدنيا وما فيها من علائق ووشائج ولذّة وفتنة فصلًا كاملًا ، لكي يستطيع أن ينعم بلذّة العروج والصعود إلى الله في الصلاة . ففي هذه الرحلة العجيبة التي يكرم الله - تعالى - بها عباده في كلّ يوم خمس مرّات ، يمرّ الإنسان بآفاق رحبة من الحمد ، والعبادة ، والاستعانة بالله ، والتوحيد ، والتعظيم ، والدعاء ، والتسبيح ، والتأليه ، والذكر ، والشكر ، والتضرّع ، والابتهال ، والمناجاة ، والتسليم له ، وما لا طاقة لي على إحصائه من آفاق العبودية لله ، وليس بإمكان الإنسان أن يقطع هذه الآفاق الرحبة المباركة من لقاء الله ، ما لم ينفصل بشكل كامل عن هذه الدنيا وما فيها ، من لذّة ، ونعيم ، وعلائق ، ووشائج ، وهمّ ، وحرص ، وقلق ، وانشغال ، فإنّها تصرفه وتشغله عن آفاق اللقاء في هذه الرحلة . وأشدّ ما في الصلاة ، هو هذا الانفصال والإقلاع عمّا حول الإنسان من العلائق